الشيخ محمد النهاوندي
54
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وامره عصينا فقال أبو بكر ، يا رسول اللّه ، معها فهر ، أخشاها عليك : فتلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، هذه الآية ، فجاءت فما رأت رسول اللّه ، وقالت : إنّ قريشا [ قد ] علمت أنّي ابنة سيّدها ، وأنّ صاحبك هجاني « 1 » . وروي أنّها نزلت في أبي سفيان والنضير « 2 » وأبي جهل وامّ جميل امرأة أبي لهب ، كانوا يؤذون النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إذا قرأ القرآن ، فحجب اللّه أبصارهم إذا قرأ ، وكانوا يمرّون به ولا يرونه « 3 » . وقيل : إنّ المشركين كانوا يطلبون موضع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في الليالي ، لينتهوا إليه ويؤذونه ، ويستدلّون على موضعه باستماع قراءته ، فآمنه اللّه من شرّهم ، وذكر له أنّه جعل بينه وبينهم حجابا لا يمكنهم الوصول إليه معه ، وبيّن أنّه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن ، وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته . ويجوز أن يكون ذلك مرضا شاغلا يمنعهم عن المصير إليه « 4 » . وقيل : إنّ القوم لشدّة امتناعهم عن قبول دلائل نبوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، صاروا كأنّه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب وساتر ، وإنّما نسب [ اللّه ] سبحانه ذلك الحجاب إلى نفسه ؛ لأنّه لمّا خلّاهم مع أنفسهم وما منعهم عن ذلك الاعراض ، صارت تلك التخلية كأنّها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة « 5 » . وقيل : إنّ المراد من القرآن هو الصلاة ، تسمية للكلّ باسم جزئه « 6 » . روي أنّ المشركين كانوا يؤذون النبي عليه السّلام مصلّيا ، وجاءت امّ جميل امرأة أبي لهب بحجر لترضخه فنزلت « 7 » . ثمّ ذمّهم اللّه بالنّفر عن ذكر اللّه وحده بقوله : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ بأن سمعوا منك آية فيها ذكر اللّه وذمّ الشرك ، أو لم تذكر مع اسم اللّه اسم آلهتهم وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ وهربوا ونفروا من استماعه نُفُوراً واشمئزازا ، وقيل : إنّ المراد أعرضوا عنك حال كونهم نافرين « 8 » . عن الصادق عليه السّلام : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا دخل إلى منزله ، واجتمعت عليه قريش ، يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته ، فتولّي قريش فرارا ، فأنزل اللّه في ذلك : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ الآية » « 9 » . والقمي ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إذا تهجّد بالقرآن تسمع له قريش لحسن صوته ، فكان إذا قرأ
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 221 ، تفسير أبي السعود 5 : 175 . ( 2 ) . كذا في المصدر أيضا ، ولعلّه النّضر بن الحارث . ( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 167 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 20 : 222 . ( 6 و 7 ) . تفسير روح البيان 5 : 167 . ( 8 ) . تفسير روح البيان 5 : 168 . ( 9 ) . الكافي 8 : 266 / 387 ، تفسير الصافي 3 : 195 .